القرطبي

42

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قال ابن عباس : فضرب الله هذا مثلا للمنافقين مع اليهود . وذلك أن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام أن يجلي بنى النضير من المدينة ، فدس إليهم المنافقون ألا تخرجوا من دياركم ، فإن قاتلوكم كنا معكم ، وإن أخرجوكم كنا معكم ، فحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم فخذلهم المنافقون ، وتبرؤوا منهم كما تبرأ الشيطان من برصيصا العابد . فكان الرهبان بعد ذلك لا يمشون إلا بالتقية ( 1 ) والكتمان . وطمع أهل الفسوق والفجور في الأحبار فرموهم بالبهتان والقبيح ، حتى كان أم جريج الراهب ، وبرأه الله فانبسطت بعده الرهبان وظهروا للناس . وقيل : المعنى مثل المنافقين في غدرهم ( 2 ) لبني النضير كمثل إبليس إذ قال لكفار قريش : " لا غالب لكم اليوم من الناس وإني ( 3 ) جار لكم " [ الأنفال : 48 ] الآية . وقال مجاهد المراد بالانسان ها هنا جميع الناس في غرور الشيطان إياهم . ومعنى قول تعالى : " إذ قال للانسان أكفر " أي أغواه حتى قال : إني كافر . وليس قول الشيطان : " إني أخاف الله رب العالمين " حقيقة ، إنما هو على وجه التبرؤ من الانسان ، فهو تأكيد لقوله تعالى : " إني برئ منك " وفتح الياء من " إني " نافع وابن كثير وأبو عمرو . وأسكن الباقون . ( فكان عاقبتهما ) أي عاقبة الشيطان وذلك الانسان ( أنهما في النار خالدين فيها ) نصب على الحال . والتثنية ظاهرة فيمن جعل الآية مخصوصة في الراهب والشيطان . ومن جعلها في الجنس فالمعنى : وكان عاقبة الفريقين أو الصنفين . ونصب " عاقبتهما " على أنه خبر كان . والاسم " أنهما في النار " وقرأ الحسن " فكان عاقبتهما " بالرفع على الضد من ذلك . وقرأ الأعمش " خالدان فيها " بالرفع وذلك خلاف المرسوم . ورفعه على أنه خبر " أن " والظرف ملغي . قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا التقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون 18

--> ( 1 ) أي يظهرون الصلح والاتفاق وباطنهم بخلاف ذلك . ( 2 ) في أ : " وعدهم " . ( 3 ) راجع ج 8 ص 26 .